اسد حيدر
578
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
بأجلى صورة وأوضح بيان . فلقي أكثر المحدثين محنا . وواجهوا مصاعب . أما الذين أرادوا أن يؤكدوا للسلطة القائمة في زمانهم بأنهم منحرفون عن أهل البيت ، فتجنبوا الرواية عنهم ، ولم يخرجوا فضائلهم ، فكانوا موضع عناية السلطة ومحلا لثقتها التامة . هذا ما أردنا بيانه من حركة التأليف عند الشيعة في الصدر الأول بإيجاز ، أما نشاط الحركة العلمية فقد بدأ في القرن الثاني ، وأشهر الكتب التي ألفت في ذلك : مصنف شعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160 ه - ، ومصنف سفيان بن عيينة المتوفى سنة 198 ه - ، ومصنف الليث بن سعد المتوفى سنة 175 ه - ، وموطأ مالك بن أنس المتوفى سنة 179 ه - ، ومسند الشافعي المتوفى سنة 204 ه - ، ومختلف الحديث له ، والجامع للإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، ومجموعات من عاصرهم من حفاظ الحديث كالأوزاعي والحميدي . موطأ مالك : لا بد وأن نذكر هنا نبذة يسيرة عن موطأ مالك وفاء بالوعد وإتماما للغرض وقد تقدم أن المنصور لقي مالكا من قبل في موسم الحج ، وفاتحه في كثير من المسائل ، واعتذر إليه عما لقي من عامله على المدينة ، وأمره أن يدوّن كتابا يحمل الناس عليه ، ليوحد بذلك نظام التشريع ويحمل الناس على الجمود على قول مفت واحد ، إلى آخر ما هنالك من أقوال حول تأليف الموطأ ، وقد اشترط المنصور عليه أن لا يروي عن علي ، فوفى مالك بالشرط ، إذ لم يرو عن عليّ عليه السّلام في موطأه « 1 » . وقد نال موطأ مالك شهرة حتى قالوا : إنه لا مثيل له ولا كتاب فوقه بعد كتاب اللّه عز وجل « 2 » .
--> ( 1 ) إذا أحصينا ما في الموطأ وجدنا ذكر الإمام عليه السّلام ، ويبدو أن تنفيذ مالك لشرط المنصور - كما هو رأي المالكية - تحاشي الإكثار من فتاوى الإمام عليه السّلام أدى إلى ذلك . ولذا فإن رواية مالك عن أستاذه الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في طريقها يرد اسم الإمام علي فمن السلسلة الذهبية التي هي سند أحاديث أهل البيت كما جاءت في حديث الإمام الصادق الذي ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد والكليني في الكافي وغيرهما من علمائنا : « حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه وحديث رسول اللّه قول اللّه » . ( 2 ) مقدمة النص لابن عبد البر ص 9 .